Articles & Opinions - مقالات وآراء

طوني نصير | موهبة فذة حجبتها غيوم المحسوبيات والمصالح الشخصية

أسعد رشدان
٢٠١٦/١٢/٢٦

عندما اعتزلت التمثيل، كان الشعور حزناً وغضباً. كنت أعرف تماماً وبتواضع كلّي، حجم موهبتي التي كانت متجلّية بنوعية أدائي الفني منذ كنت بعد يافعاً. أسّست فرقة مسرحيّة، قدّمت مسرحيّات، اعداداً واخراجاً وتمثيلاً، وكنت ما تجاوزت السابعة عشر من عمري بعد، فكانت “البطولة الخالدة” أول الغيث سنة 1970، وكرّت السبحة فدخلت معهد الفنون الجميلة. وقبل نهاية السنة الأولى في المعهد، كنت اشارك في عدة مسرحيات أمام الجمهور العريض، وحصلت على البطولة في التلفزيون. وما إن انقضت السنة حتى كانت لي البطولة المطلقة مع منى طايع في مسلسل “البركة” الذي كان أول مسلسل درامي باللهجة العامية اللبنانية والذي “كسّر الأرض” يومها حسب التعبير اللبناني

الذي حصل بعدها، وبسبب الضهر القوي والمحسوبيات التي تحكم البلد منذ فجر التاريخ، كان عليك للاستمرار على المستوى ذاته، أن تساير فلان وعلتان من الكتّاب والمخرجين، إذ كان اختيار الممثلين منوطاً بهما وليس بشركة الإنتاج كما اليوم، لأن الشركة يومها كانت شركة بكل ما للكلمة من معنى، ولم تكن تقتصر على شخص واحد، بل كان المسؤولون فيها والعاملون، موظفين بدرجات متفاوتة وما كان همّهم سوى جني الأرباح لهذه الشركة

كان عليك أن تجعل منزلك مطعماً او أجرك صفراً ارضاءً للمخرجين وكسب ودّهم

القليل منهم كان مهتمّاً بالنوعية، ومع ذلك قطعنا المرحلة بقدر لا بأس به من الإحباط

اليوم، ويا ما أحلى الماضي، أصبحت الامور أصعب، والمسايرة أقسى وأمرّ

أصبحت الهدية رشوة، قد تصل إلى تقديم التنازلات، من الأجر إلى الجسد، مروراً بالتكاذب المشبوه، والتبخير والتفخيم والتعظيم لصانع النجوم، مضيئة كانت أم خافتة، والمقياس اصبح: على قدر ما تعطي تأخذ، والأمثلة لا يتّسع لها الفايسبوك بمجمله

وبدأت هجرة المواهب إلى بلاد الرب الشاسعة. منها من هاجر ومنها من تقوقع وانكفأ، ومنها من رضخ للأمر الواقع المقرون بالاستجداء

اخترت الرحيل

اليوم، نفسي حزينة حتى الكآبة وأنا أرى المواهب الباهتة تتجلّى في عارضات الأزياء وصديقات المنتجين ومديري المحطات الإعلامية على اختلافها وتنوّعها. في اللحظة ذاتها، أرى مواهب فريدة تتقوقع في أدوار متواضعة في زوايا المسلسلات السخيفة، ولا حول لها ولا قوة، تقتات من فضلات الأدوار التي لا تغني لا عن جوع فني ولا مادي وليس أقلّها موهبة الممثل الصديق “طوني نصير”. يبهرني بأدائه كما بحكمته وأخلاقه الدمثة، بصدقه ومحبته ووفائه، وبحجم السلام في عروقه والقلب

أعرف هذه الموهبة منذ زمن ولكني لم ألتقيها إلاّ منذ فترة قصيرة. وبما أن نظرته للواقع تتطابق مع نظرتي المجرّدة، لم يألُ جهداً للتوفيق، الذي كان شبه مستحيل بيني وبين شركة “مروى غروب”، وقد نجح في ذلك، باصرار وعناد، تحدوه قناعة ثابتة بان المواهب لا يجوز بتاتاً أن تبقى في الظل إلى ما شاء الله. وما استعمل يوماً موقعه للترويج لنفسه، لقناعته الراسخة كقناعتي، بأن على الألماس أن لا يعرض نفسه للبيع، فإن فعل، لأصبح حديداً يباع في سوق الأحد

فيا صديقي، تسلّح بإيمانك، فقدرنا الانتظار، في قاعات بلد بقي حوالى الثلاث سنوات بلا رأس، وسوف يبقى قروناً بلا قلب ولا عقل، وبلا اخلاق، إلى أبد الدهر

Leave a Comment